الثلاثاء، 21 نوفمبر 2017

نصيحة القبر ++++سعد بن عيسى الباتني


  • نصيحة القبر 
  • بينما أنا في المنام أجول في مقبرة البقيع إذ بقبر عتيق ينفتح فجأة و يخاطبني قائلا : أنا مسكنكم الدائم ، أنا مهد صغيركم أنا سرير كبيركم ، أنا فراشكم أنا لحافكم ، فلماذا كل هذه القصور الفخمة و المباني الشامخة التي لا تسكنونها بصفة دائمة ؟ فلماذا تقومون بصك المزيد من النقود و تستعبدون بها بعضكم بعضا و تنفقونها على ما ليس لكم فيه منفعة دائمة ؟ فلماذا تحرصون على جمع النقود و ركمها و كنزها وأنتم تعلمون أنها لا تنتقل معكم من الدار الفانية إلى الدار الباقية ؟ لقد حرم الله عليكم كنز الذهب و الفضة فابتدعتم أموالا جديدة و تمثلتم بواسطتها بالله الذي يغني و يفقر من يشاء لقد أنكرتم طغيان فرعون و اضطهاده لليهود و قلتم آمنا برب موسى و عيسى و محمد ثم ارتددتم عن إلهكم الذي كان يرزقكم بالذهب و الفضة و صرتم أنتم كالآلهة فأصبحتم ترزقون العباد بالنقود الوضعية . فهل منحكم الذي خلقكم هذا الحق أم منحتموه لأنفسكم الراحلة ؟ .
  • فهل تأكلون أرزاق الله و تلبسون أرزاق الله و تتزين نساءكم بأرزاق الله أم تأكلون العملات النقدية الوضعية و تلبسون العملات النقدية الوضعية و تتزين نساؤكم بالعملات النقدية الوضعية ؟ إنني أرى أن الأوهام قد سيطرت عليكم و حرفتكم عن الديانات التي هداكم الله إليها عن طريق الأنبياء و الرسل الذين أرسلهم إليكم عليهم جميعا السلام . ألم تتعظوا بما جاءكم به محمد عليه الصلاة والسلام الذي قال لكم بفصيح الكلام ( ليس للإنسان –يقصد من أمواله – إلا ما أكله فأفناه أو لبسه فأبلاه أو تصدق به فأبقاه )و قال عليه الصلاة و السلام (من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه له قوت يومه فكأنما حِيزت له الدنيا بكاملها ) أو كما قال .إذن فلماذا الخوف من الفقر و لماذا كل هذا الجشع ؟ أليس الله هو الرزاق للعباد و ليس الإنسان ؟
  • إن كنز الناس للنقود و تهريبهم لها من مكان إلى مكان و حرصهم عليها من السرقة و الاغتصاب هو وليد أكل مبتدعو العملات النقدية الوضعية لأرزاق و أموال الناس بالباطل . و إن اعتبار العملات النقدية الحديثة أموالا هو مجرد وهم ، و إن الوهم من الجنون ، و إن الجنون من الشيطان ، و إن الشيطان هو عدو الإنسان و هو الذي أخرجه من الباقية إلى الفانية ، و أخرجه من نعيم الجنة إلى دار الشقاء .
  • لقد أخرج الله الإنسان من الجنة ليختبره هل سيعود إلى رشده أم سيستمر في طاعة ابليس الذي ضلله في الماضي و سيبقى يوسوس له ليضلله على الدوام . ( قال -أي إبليس- فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ) و رغم تحذير المولى عز و جل للإنسان من الشيطان فإن الإنسان الكثير النسيان الضعيف العزيمة لا يفكر في العواقب و سرعان ما يقع فيما يزينه له عدو الله من الحرام . قال تبارك و تعالى : (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ) .
  • وإن نصيحتي لكم أيها الإنسان للخروج مما حرمه الله عليكم أن تتخذوا عملة نقدية واحدة فقط على مستوى العالم كله و أن توزعوها بالعدل على جميع العمال و العاملات المنتجين الخواص كما توزعونها على سائر العمال مع ترك ما ينتجه الخواص ملكا لهم ليبيعوا ما يبيعونه و ليدخروا ما يدخرونه لتجديد الإنتاج . و إذا اغتنى المنتجون الذين يوفرون الأرزاق و سائر المنتجات لبقية العمال و الناس فإن الله هو الذي أغناهم بقيمة ما يبيعونه من منتجاتهم و ليس العباد هم الذين أغنوهم بما يطبعون من النقود . و إن من حق المنتجين أن يشغلوا من يساعدونهم على الإنتاج شرط أن يدفعوا لهم أجورا مساوية للأجور التي يتقاضونها تطبيقا للعدالة بين الجميع . و إنه لا حق للحكام في منتجات المواطنين سوى الزكاة أو ما جادوا به من الصدقات .
  • إن هذا هو الصراط المستقيم و هو التقوى ، فاعتصموا بحبل الله جميعا و اتقوه حق تقاته ، و لا تعثوا في الأرض مفسدين ، و عادوا الشيطان و صِلوا إخوانكم فإن الله خلقكم لتتعاونوا و ليس لتتخاصموا و تتخذوا من بعضكم بعضا أعداءً بدل أن تكونوا جميعا أعداء للشيطان الذي يمنيكم و يضللكم و يدعي مناصرتكم ، و إذا وقعتم في شراكه نكص على عقبيه و تبرأ منكم .
  • و اعلم أيها الإنسان أن العملة النقدية الحديثة التي يجب أن توزع على العمال المنتجين و غير المنتجين ليست بأرزاق و لكنها مجرد وسيلة لتبادل المنتجات بين العباد لأن الله لم يخلق النقود ، و إن منحها للمنتجين لا يؤدي إلى توقف الإنتاج بل سيدفع الناس إلى التنافس على الإنتاج لتحقيق الثراء عن طريق الرزاق الوحيد للعباد .
  • و لتكن نقودكم مجرد أرقام و حسابات تحصل و تصب و تنفق آليا فقط و ذلك لتساير الإنتاج و تقي و تحفظ الحكام من خلق الأموال و خلق أنداد لله ، و بهذه الطريقة لا تكثر الأموال فتؤدي إلى التبذير و الإسراف و لا تقل فتؤدي إلى بخس منتجات الآخرين و تؤدي إلى التقتير . قال تبارك و تعالى : ( فلا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك و لا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ) و بهذه الطريقة يبقى الناس يرتزقون من عند الله و لا يرتزقون من عند العباد .
  • و في الختام همس إلي القبر سرا و قال أنا مهديكم المنتظر ، و أنا المسيح عليه السلام الذي لم يصلبه و لم يقتله اليهود و لكن شبه لهم ، و إن ما نصحتكم به هو الصراط المستقيم فمن اتبعه فاز و نجا و من انحرف عنه ضل و خاب ، ثم انغلق القبر من جديد فلم أعد أميز بينه و بين سائر القبور .
  • باتنة في 21/11/2017

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق