قصيدة( الأسباط )،، محمد النعماني،
تربطني بالشاعر محمد النعماني الذي أقدمه لكم الآن صلة وثيقة،، فكلانا ينتمي لمذهب أدبي واحد،، وينهج منهجآ ثقافيآ واحدآ،،وإن كان هو شاعرآ وأنا كاتبآ،، وكلانا أبصر النور أولآ تحت سماء بغداد وفي أروقة منتدياتها الثقافية رغم أنني أسكن اطرافها ويسكن هو في محافظة واسط،، وكلانا إكتحلت عيناه بمفاتن الرافدين ومعالمه الخلابة وجمال ارضه الخضراء وعظمة أنهاره وسفوحه وجباله صيفآ وشتاء وربيعآ وخريفآ،، غير أني عشت في مأمن من مطاردة الطغاة البعثية المقبورة فيه لصغر سني حينذاك وقبل نضوج مواهبي بشكل تام أبان تلك الفترة،، وقاسى هو وعانى من خلف القضبان في قعر المعتقلات البعثية حتى قبرت إلى غير رجعة،،
كنت ﻻ أزال صغيرآ يوم صادفتني اعداد قديمة من جريدة( طريق الشعب )في مكتبة أحد أقاربي يعود تاريخ إصدارها إلى ما قبل عام 1979،، وعندما فوجئت بغضب والدي علي وانفعاله المقرونين بالوجل إزاء ذلك أيقنت بأنها تصدر عن جهة تتعارض والنظام الحاكم،، طالعتها بسرية وحذر شديدين وإذا بي أقع فيها على مقطوعات لطيفة من الشعر الشعبي لشعراء عباقرة مقتدرين ترتسم لعيني قارئها من بين أحرفها صور الشجاعة والنضال والمحبة،، محبة الوطن الأم ومحبة الإنسان وعشق الحياة،، وإذا بتلك المقطوعات تستهويني بما فيها من رشاقة في المبنى وسلامة في المعنى وبراعة في التصوير وأمانة لروح اللغة العامية وتفهم لعبقريتها وتوزيع معانيها توزيعآ ﻻ يستطيعه إلا إبن الأدب الحقيقي والفطرة السليمة،،
كان محمد النعماني أحد أولئك الشعراء والذين قضى أكثرهم على أيدي أزلام الطاغية بينما ﻻ يزال عدد منهم على قيد الحياة ممن تمكنوا من مغادرة البلاد إلى مواطن الغربة،، لقد عرفت ما عرفت عن النعماني وعن أدب النعماني وعن فكر النعماني وكان أول من مد لي يد العون في مشوار الأدب وأخذ بيدي ليشركني وإياه في طريق الصدق وجمال الفن والأدب( طريق الشعب )، وما عرفت إلا بعد مطالعتي لقصيدة( الأسباط )أن النعماني يجيد النظم بالفصحى فيتصرف بأوزانها وقوافيها ومعانيها وألوانها وانغامها تصرف الواثق من نفسه ومن أصول موهبته وأسرارها كما تشهد لكم هذه القصيدة التي تلتمع فيها شاعريته التماعها في مقطوعاته الشعبية،، وقد قسمها إلى أربعة أقسام وكل منها عبارة عن مقطع شعري يبدأ بهاتين اللفظتين( الذين رحلوا )،، وحسب القارئ منهما شجنآ ما فيهما من عرفانآ وتمجيدآ وإجلالآ للشهداء،، شهداء الأدب والفكر من زملائه الذين تركوا لنا أنفاسهم على حد قوله والمتمثلة بأعمالهم الشعرية،، شهداء الوطن الذين سقوا الأرض من دمائهم فأنبتت الزهور التي ينبثق منها عبق من نور يعيد لوادي الرافدين صورته الجميلة وإطلالته المهيبة بين سائر الأمم،،وإليكم مقاطع القصيدة :
الذين رحلوا تحت الأقبية والسياط
زرعوا النور فينا نباهي به الأمم/
الذين رحلوا تركوا لنا أنفاسهم
لنلبسها،، فتعلوا بنا سارية العلم/
الذين رحلوا تحت الرماد كانوا كالأسباط لنا فيهم إسوة لنا فيهم رسالات اضحت مدادآ للقلم/
الذين رحلوا،،، كتبوا لنا دربآ تهشم فيه الصنم/
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق